فلا أميّة بعد اليوم لطفلٍ أصمّ في جمعيتنا

«فلا أميّة بعد اليوم لطفلٍ أصمّ في جمعيتنا»

وصلت هذه الرسالة إلى الأستاذ عبد الكريم عطايا في آذار من عام ٢٠١٩، من مديرة جمعيةٍ لرعاية الصم، بعد أن أرسل إليها ملفات نظام المطابقة وقرأتها.

الرسائل التي تصل عادةً تحمل شكرًا وتقديرًا. هذه الرسالة حملت قرارًا.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بعد اطّلاعي المتمعّن على ما أرسلتموه لي من وثائق نفيسة، فإني أشكرك جزيل الشكر على ثقتك التي وضعتها في شخصي. والله وحده يعلم لماذا جمعنا في هذا الوقت بالذات، وأنا سعيدةٌ جدًا بمعرفتي بكم في الله، ومن أجل الأطفال الذين أنا مسؤولةٌ أمام الله عنهم.

أجد نفسي بعد هذه المدة الطويلة مع الصم في بداية طريقٍ جديد. وسأبدأ حالًا بدراسة قواعد لغتنا العربية، وسأقوم صحبة زميلاتي باتّباعها حسب المستويات التي لدينا، واتّباع الأمثلة التي أرسلتموها لنا. حان الوقت للقيام بوقفة تأمّل.

وسأقوم بدراسة كل ملفاتك ليستفيد منها أطفالنا، وأرجو منك أن تساندني في ذلك، لأن الصور والتفسير غير كافٍ ويلزمنا تكوينًا مباشرًا.

القرار اتُّخذ وانتهى الأمر:

فلا أمية بعد اليوم لطفلٍ أصمّ في جمعيتنا.

وهذا قرار. وما أردت أن يصلني قد وصلني ومسّني في الأعماق، ولا عودة بعد اليوم إلى الوراء.

ولكن ما يشغلني هو كيف أُقنع الفريق العامل معي بما اقتنعت به؛ فأنا كلّما عدت لقراءة ملفاتك إلا وزادت قناعتي بدراساتك وبالخطوات الثورية التي قمت بها.

فنحن الآن في عطلة، وبعد أسبوعٍ تكون العودة المدرسية.


امرأةٌ أمضت سنواتٍ طويلة في تعليم الصم تقول إنها تقف اليوم في بداية طريقٍ جديد، وإنها ستعود لدراسة قواعد العربية من أوّلها. هذا وحده يكفي.

لكن الجملة التي ينبغي التوقّف عندها هي الأخيرة: كيف أُقنع الفريق العامل معي بما اقتنعت به؟

فهي اقتنعت لأنها قرأت الملفات بنفسها، وعادت إليها مرّةً بعد مرّة. أما فريقها فلن يقرأ الملفات كما قرأتها، ولن يصل إلى ما وصلت إليه بالطريقة نفسها. ولهذا كتبت قبل ذلك بأسطر: «الصور والتفسير غير كافٍ ويلزمنا تكوينًا مباشرًا».

وهي العبارة نفسها التي قالها المترجم سمير سمرين حين كتب أن الشرح المصوّر عن بُعد، مهما كان متقنًا ودقيقًا، ليس كالواقع الحقيقي. اثنان لا يعرف أحدهما الآخر، من بلدين مختلفين، وصلا إلى الخلاصة نفسها.

وقد علّق الأستاذ عبد الكريم على هذه الرسالة بقوله:

كلامُ صاحبته جاهدت لتجعله عملًا لخير الصم، لكنها وجدت عوائق حالت دون ذلك القرار.

وهذا هو موضع العبرة. القناعة كانت موجودة، والقرار اتُّخذ، والملفات كانت بين يديها — ومع ذلك تعثّر التنفيذ. لا لأن المنهج ناقص، بل لأن نقل المنهج من صاحبه إلى فريقٍ كامل يحتاج إلى أكثر من ملفاتٍ مُرسَلة.


وممّا كُتب تعليقًا على هذه الرسالة، كلامٌ لمدرّبةٍ عاملةٍ مع الصم تفتح بابًا آخر:

أنا الآن لست معلّمة صمٍّ فقط، بل مدرّبة… أسعى لوضع أسسٍ وبرامج للصم اليافعين ولديهم قصورٌ عميق في اللغة العربية، في مؤسسةٍ أتخيّلها وليس لديّ مقدرةٌ لإنشائها، وخصّصت أكبر ركنٍ فيها لليافعين من الصم.

المهمة الأساسية فيها الارتقاء بتنمية اللغة العربية للمتخرّجين من مدارس ومعاهد الصم، والذين لا يفقهون معاني كثيرٍ من مفردات اللغة العربية.

ضعف اللغة إذن لا ينتهي بانتهاء المدرسة. فالمتخرّج من معهد الصم يخرج وهو لا يفقه كثيرًا من مفردات لغته، ويبقى محتاجًا إلى من يعيده إليها.


ما تقوله هذه الرسالة، في النهاية، بسيط: حين يصل هذا النظام إلى يد من يعمل في الميدان، يتغيّر قراره في يومٍ واحد. وما يحول بين القرار والتنفيذ ليس نقصًا في المنهج، بل غياب الدورة التي تنقله إلى المعلّمين والمعلّمات في صفوفهم.

والله وليّ التوفيق.

أضف تعليق