الميدان يطلب التأهيل
شهاداتٌ من الميدان ومن البحث العلمي
تمهيد
على مدى سنواتٍ طويلة، وصلت إلى الأستاذ عبد الكريم عطايا رسائلُ من مختصّين وباحثين ومؤسسات في أكثر من بلدٍ عربي، اطّلعوا على نظام المطابقة وعلى اللغة العربية الإشارية الفصحى، فكتبوا ما رأوه.
وهذه الشهادات لا تُنشر هنا للثناء، بل لأنها تكشف أمرًا واحدًا يتكرّر في كل رسالة تقريبًا، على اختلاف أصحابها وبلدانهم وتخصّصاتهم: أن الميدان العربي يطلب تدريبًا مباشرًا على هذا النظام، وأن الشرح المصوّر عن بُعد لا يكفي.
فيما يلي نصوص هذه الشهادات كما وردت من أصحابها.
أولًا: شهادة أهل الاختصاص
الأستاذ سمير سمرين — مترجم لغة الإشارة في قناة الجزيرة، رئيس المنظمة العربية لمترجمي لغة الإشارة
أسمحوا لي أن أنتهز هذه الفرصة لأقدّم وجهة نظري المتواضعة في برنامج أستاذنا القدير… فأنا كنت من أوائل المتتبّعين لهذا البرنامج، وأعتبره المنقذ لتعليم الصم، رغم أنني لم أطّلع على آليات التدريب التي يمتلكها الأستاذ والأخ الكبير عطايا. ولكني أتوقّع، بل أجزم، بأن ما يقدّمه هو بالضبط ما يحتاجه الكادر التدريسي في المنطقة العربية، وآمل أن أكون أول الدارسين في حال موافقة إدارتكم على تنفيذ هذه الدورة… للاطلاع عن كثب على آليات وأسلوب التدريس بهذا البرنامج… لعلّ وعسى يكون المنقذ والباب الذي يرتقي بالصم للعلم والمعرفة.
وفي رسالةٍ أخرى يضع الأستاذ سمرين المشروع في سياقه الدولي:
ما يطرحه أستاذنا الكبير عطايا علمٌ ممنهج سبق الجميع إليه. وأثناء بحثي وتجوالي فوجئت بأن هذا النهج متّبع في فرنسا، أو مشابه له بطريقة كبيرة، ولكنه يتفق بالفكرة والمبدأ… والإخوة في تونس، في جمعية رعاية فاقدي السمع فرع قليبية، يعملون بهذه الطريقة منذ عام 1999 أو قبل ذلك، وتسمّى الحركة المتمّمة للكلام أو الإشارة المتمّمة للكلام (L.P.C). وحسب رأي المختصين الذين جرّبوا هذه الطريقة، يقولون بأنها تتماشى وخصوصيات اللغة العربية، وتعين الصم في تصوّر الأصوات عن طريق حركات الشفاه وحركات اليد، وتعرّف الصوت المعيّن ببديلٍ حركي. كما قام الإخوة في تونس بعمل منهاجٍ تأسيسي للسنة التحضيرية للطفل الأصم.
وما أودّ ذكره في هذا المقام هو أن أستاذنا عبد الكريم سبق الجميع وبسنوات بطرح منهجٍ مشابه، بل أقوى، كونه من بيئةٍ عربية كاملة… وكلامي هذا ليس فيه انتقاصٌ لحق أحد، فالتجربة التونسية محلّ فخرٍ واعتزازٍ للجميع وهي ناجحة بكل المقاييس وسبق أن اطّلعت عليها… وما يطرحه عطايا، من وجهة نظري، هو منفذ الصم العرب لعالمٍ رحب — عالم العلم والمعرفة — وتعلّم القراءة والكتابة فهمًا ومعنًى ومضمونًا.
ويبقى السؤال: كيف لنا كمختصّين أن نتعرّف على تجربة أستاذنا الكبير ونتقن منهجيته في تعليم الصم؟ ونتدرّب على هذه الطريقة، لأن الشرح المصوّر عن بُعد مهما كان متقنًا ودقيقًا فهو ليس كالواقع الحقيقي… ومن هنا أخاطب كل من له صلةٌ بصاحب قرارٍ أو مسؤولٍ في التربية والتعليم أن يتواصل مع أستاذنا الكبير ليقوم بدورةٍ ينقل فيها تجربته وأفكاره ومنهجه… لتعمّ الفائدة، ولعلّها المنفذ. بوركتم.
ثانيًا: شهادة البحث الأكاديمي
الدكتور عثمان احمياني — دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، تخصّص لسانيات «تركيب لغة الإشارة» — المغرب
(17 ديسمبر 2013)
أستاذي الفاضل عبد الكريم، تشرّفت بقبولك دعوتي… بدايةً أعرب لك عن ودّي واحترامي، النابع من اطّلاعي على مشروعك النبيل الهادف إلى الرقيّ بالمستوى التعليمي للصم العرب.
أستاذي الكريم، أخبركم أنني قد استفدت من مدوّنتكم على الشبكة العنكبوتية وما تضمّنته من أعمالٍ حول تأشير اللغة العربية، وأستأذنك — ولو بعد فوات الأوان — على استثمار بعض معطياتها في بحثي لنيل شهادة الدكتوراه، مع الحرص على حفظ الأمانة العلمية والإحالة على مدوّنتك باعتبارها مرجعًا مهمًّا في البحث. وأشيد أكيدًا بما تقدّمتم به باعتباره مادةً أوليةً للاشتغال في زمنٍ تتميّز فيه المادة العلمية بهذا المجال بالشحّ والنُّدرة.
وأحيطكم علمًا سيدي أنني الآن بصدد تنظيم أوراق بحثي التي تعتزم الجامعة طبعها، وأستأذنكم بالمناسبة بنشر بعض الجمل المصوّرة في مدوّنتكم أمثلةً للدراسة والتحليل.
الدكتورة هالة طه — مصر
بجدّ، مشروع حضرتك كبيرٌ وعظيم، والبحث العلمي محتاجٌ عالمًا زيّ حضرتك، مش باحثين ينقلون ولا يفكّرون.
تمنّيت من الله أن تكون مصريًا حتى أرى حضرتك شخصيًا وأستفيد من تجربة حضرتك، وننظّم دوراتٍ حول مشروع حضرتك. أنا جديدة في المجال، فدراستي تربية لغة عربية، لكن مع التعامل مع هذه الفئة أجد نفسي كل يوم أحزن على ما وصلوا إليه من ضعف، وأتمنّى من الله أن نساعدهم. وحاليًا أحاول التطبيق معهم ويقابلني العديد من الصعاب في التعامل معهم، وخاصةً في تدريس الجملة لهم، وكيف يستطيع أن يكوّن جملة.
وأعلم أن مشروع حضرتك للصم يعلو عن أي رسالة، لكني أحببت أن يكون مدوّنًا في رسالةٍ ليطّلع عليه كل باحثٍ في المجال ويتعلّم منه.
ثالثًا: التوثيق العلمي المنشور
الدكتور عادل محمد خليفة والمهندس محمد عادل محمد — مجموعة خليفة للكمبيوتر
فقد وضع عبد الكريم عطايا (2009) الأسس التي بُني عليها نظام المطابقة بين اللغة الإشارية للصم العرب ولغتنا العربية، وذلك من خلال تحليلٍ رائع لربط لغة الإشارة العربية باللغة العربية وتحقيق التقارب بينهما، مما ينعكس على مجتمع الصم بالفائدة الكبرى، سواء في التعليم والثقافة أو في التواصل مع مجتمع السامعين.
ومن ناحية اللغة العربية واللهجات المحلية: أُثير جدلٌ كبير حول قضية ربط لغة الإشارة باللغة العربية أم باللهجات المحلية. والحقيقة أن ربطها باللهجات المحلية يضيّع الفرصة على الصم في التعامل مع لغة العلم في المدارس والجامعات. ولربما الحلّ الذي أمكن التوصّل إليه هو اعتبار الكلمات العامية كمرادفاتٍ للكلمات العربية.
رابعًا: طلبات التدريب والتعاون المؤسسي
معهد المرأة للتنمية والسلام
استلمت رسالتكم بخصوص مشروع التعاون بيننا وبينكم فيما يتعلق بإقامة دورةٍ تدريبية لفئة الصم، مدرّسين وطلابًا، لتعليمهم لغة الإشارة باللغة العربية الفصحى. وقد اتفقت معكم قبل سفركم من الكويت بأن ترسلوا مشروع التدريب مفصّلًا حتى أقدّمه للجهات المعنية وللّجنة العلمية بالمعهد لدراسته.
لذا يُرجى التكرّم بإرسال رسالةٍ تفصيلية تتضمّن نوع الدورة وعدد أيامها والساعات وعدد المتدرّبين لكل دورة. مع جزيل الشكر والتقدير.
مركز تطوير الذات — منتدى عمرو خالد، مجموعة الجزائر
جزاكم الله خيرًا على المجهودات، في ميزان حسناتكم. عندي طلب مساعدة في مشروعٍ للصم والبكم لطلاب أكاديمية تطوير الذات بمنتدى عمرو خالد، ونحتاج خبيرًا في مجال الصم والبكم، وأراك أحسن خبير… والمشروع بالمنتدى باسم الجزائر.
الخلاصة: ما الذي تقوله هذه الشهادات مجتمعةً؟
إذا نُظر إلى هذه الرسائل واحدةً واحدة، بدت كلماتِ تقديرٍ من أشخاصٍ متفرّقين. أما إذا نُظر إليها مجتمعةً، فإنها تكشف حقيقةً واحدةً واضحة:
أولًا: الطلب قائمٌ ومتكرّر، ومن بلدانٍ مختلفة. فالشهادات تأتي من المغرب ومصر والجزائر والكويت وقطر والأردن، وتشير إلى تونس وفرنسا، وتمتدّ على سنواتٍ متباعدة. وهذا يعني أن الحاجة ليست محليةً ولا عابرة، بل حاجةٌ عربيةٌ عامة.
ثانيًا: الطلب واحدٌ رغم اختلاف أصحابه. المترجم المختصّ يطلب دورة، والباحث الأكاديمي يطلب مرجعًا يُحال إليه، والمعلّمة تطلب طريقةً لتدريس الجملة للأصمّ، والمعهد يطلب مشروع تدريبٍ مفصّلًا. وكلّها تلتقي عند نقطةٍ واحدة: الحاجة إلى نقل هذا المنهج من صاحبه إلى الميدان نقلًا مباشرًا ومنظّمًا.
ثالثًا: الصورة والشرح لا يكفيان. وهي شهادةٌ صريحة من أهل الاختصاص أنفسهم: «الشرح المصوّر عن بُعد مهما كان متقنًا ودقيقًا فهو ليس كالواقع الحقيقي». وهذا يعني أن ما ينقص المشروع اليوم ليس المحتوى، فالمحتوى موجودٌ وموثّق، وإنما قناة التأهيل التي تنقله إلى المعلّمين والمترجمين.
رابعًا: المشروع دخل البحث العلمي بالفعل. فقد استُشهد به في عملٍ منشور منذ عام 2009، وطُلب اعتماده مرجعًا في أطروحة دكتوراه في اللسانيات عام 2013. وهذا يعني أن النظام قد اجتاز عتبة الاعتراف الأكاديمي، ويحتاج اليوم إلى ما يُثبّت هذا الاعتراف ويوسّعه.
الدعوة
بناءً على ما تقدّم، فإن الخطوة التي يطلبها الميدان اليوم — بلسان المختصّين والباحثين والمؤسسات — هي إقامة دورةٍ تأهيلية للمعلّمين والمترجمين على نظام اللغة العربية الإشارية الفصحى ونظام المطابقة.
وهي الخطوة نفسها التي وضعها الأستاذ عبد الكريم عطايا في مقدّمة الإجراءات العملية للارتقاء بتعليم الصم العرب.
فالدعوة موجّهة إلى الجامعات، ووزارات التربية، ومعاهد الصم، والجمعيات العاملة في هذا الميدان: أن تتواصل مع صاحب المشروع لتنظيم هذه الدورة، حتى ينتقل هذا النظام من صفحات المدوّنة إلى صفوف الدراسة، ومن التوثيق إلى التطبيق.
والله وليّ التوفيق.