من بستان نظام المطابقة بين المصطلحات الإشارية وبين لغتنا العربية الفصحى

تمهيد: حقيقة الفكرة

هذا المشروع لا يهدف إلى اختراع لغة إشارة جديدة، وإنما إلى إقامة نظام مطابقة بين الإشارات العربية المختلفة وبين اللغة العربية الفصحى. فاللغة العربية الفصحى هي الأصل، والإشارة وسيلة للتعبير عن معاني ألفاظها. فإذا اختلفت الإشارات من بلد إلى آخر، فإنها كلها تشير إلى المسمّى العربي نفسه.

فمثلًا كلمة «كتاب» في العربية الفصحى لها معنى واحد، وقد تكون لها إشارة في الأردن، وأخرى في سوريا، وثالثة في الخليج، ورابعة في المغرب. والنظام لا يلغي أيًّا من هذه الإشارات، بل يجعلها كلها مرتبطة بالمصطلح العربي الفصيح «كتاب»، فيصبح المرجع هو اللغة العربية، وليست الإشارة نفسها.

وبذلك يتحقق أمران مهمان:

  1. الحفاظ على التنوّع الإشاري الموجود في الدول العربية وعدم إلغائه.
  2. توحيد المعنى اللغوي تحت مظلّة العربية الفصحى، فيستطيع الأصمّ من أي بلد أن يتعلّم المصطلحات العربية نفسها، حتى لو اختلفت الإشارة المحلية.

ولهذا كان اسم «نظام المطابقة بين المصطلحات الإشارية واللغة العربية الفصحى» أدقّ تعبيرٍ عن الفكرة؛ لأنه لا يفرض إشارة واحدة على الجميع، وإنما يجعل المعنى العربي الفصيح هو المرجع الجامع. وهي فكرة تسهم في التقريب بين مجتمعات الصم في العالم العربي مع المحافظة على تراث كل بلد الإشاري، وتدعم في الوقت نفسه تعلّم القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى.


بكلمات الأستاذ عبد الكريم عطايا

العلاقة بين لغة الإشارة الاصطلاحية ولغتنا العربية علاقة توحُّد في المعنى؛ إن اختلفتا في الشكل، اتفقتا في المعنى، وهو جوهر كل لغة. وأهمّ ما في الأمر أن لغة الإشارة كثُر صُنّاعها، فاختلفت أكثر معانيها مع معاني لغتنا التي هي مصدر تعلُّمهم وتعليمهم، فتخلّف الصمّ في اكتساب العلم عن طريق التعلُّم.

أدركتُ ذلك منذ المراحل الأولى في تعليم الصم؛ فلا تعرف لغة الإشارة ما عرفته لغتنا من قواعد وضوابط جعلتها من أرقى اللغات، فكانت لغة الكريم هي اللغة العربية.

وهناك اعتقاد أن اللغة العربية الإشارية الفصحى تُقصي أو تُلغي لغات الإشارة على مستوى الوطن العربي. ومعلومٌ أن في البلد الواحد أكثر من لغة إشارية، رغم جهود بعض الجهات على توحيد لغات الإشارة، ولم يحصل. ومن هذا المنطلق كانت أُولى اهتماماتي إنجاز نظام المطابقة في الأسماء والأفعال والحروف الإشارية، ثم طالبتُ العاملين مع الصم أن تَشرح لغاتُهم الإشارية ما استطاعت كلامَ لغتنا العربية الفصحى والكلامَ القرآني الفصيح.


الإشارة الاصطلاحية امتدادٌ للعربية

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على معلّم الناس الخير، وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه، القائل ﷺ: «إنما العلم بالتعلُّم، والحِلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتّقِ الشرّ يُوقَه».

هذه الإشارات الاصطلاحية معروفة، وقد جاءت في القاموس على صيغة المضارع. ومن قواعد لغتنا أن الأفعال الثلاثية مصادرها نكرة غير معرّفة، كما أفاد علماء اللغة؛ لذلك تمّ إرجاع هذه المصطلحات إلى مصادرها في لغتنا، حتى يتمكّن الصمّ العرب من فهمها وفهم ما يصدر عنها من اشتقاقات وتصريفات كانوا يجهلون كثيرًا من معانيها. وقد أكرمنا الله باشتقاقات إشارية ما أمكن ذلك.

فجُعل المصدر نكرة، ثم عُرّف بأداة التعريف «الـ»، وهي تأتي قمرية مع الحروف القمرية، وشمسية مع الحروف الشمسية المعروفة. وتعليم ذلك للصم العرب يساعدهم على أمرين: أوّلهما فهمُها قراءةً وكتابةً، وثانيهما تعزيزُ فهمهم لقراءة الشفاه، إضافةً إلى الاشتقاقات الكثيرة التي تبرز لهم في سطور القراءة ويجهلون كثيرًا منها، فيتعلّمونها ويستكملون تعلُّمها كما تعلّمها أقرانهم من ذوي السمع والكلام.

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

صورة (1): أمثلة على الإشارات الاصطلاحية مردودةً إلى مصادرها العربية (دعمٌ لا يدعم، كسرٌ لا يكسر، مشيٌ لا يمشي…)، لأن المصدر هو أصل الاشتقاق.


نظامٌ لغويٌّ كامل… لا مجرّد إشارات

ما يعرضه هذا النظام من تصريف الفعل، والمشتقات، والضمائر، والمصدر، واسم المفعول، يقول شيئًا واحدًا بوضوح: إن الأمر ليس تعليمَ إشاراتٍ منفصلة، بل بناءُ نظامٍ لغويٍّ كامل؛ يشتقّ كما تشتقّ العربية، ويُصرَّف كما تُصرَّف العربية، ويتغيّر مع الضمائر كما تتغيّر العربية، ويحمل الزمن كما تحمله العربية، ويُعيد بناء المعنى كما تبنيه العربية.

وهكذا فإن الإشارة في هذا النظام تحمل الماضي والمضارع والأمر، وتحمل المصدر واسم المفعول، وتتصرّف مع الضمائر، والجمع، والمثنّى، والمذكّر، والمؤنّث — وهو ما يثبت أنه علمٌ لغويٌّ متكامل.

صورة (2): تصريف الفعل «دعمَ» الإشاري في الماضي مع ضمائر الرفع المتصلة (دعمتُ، دعمتَ، دعمتِ، دعمتُما، دعمتم، دعمتنّ، دعمَ، دعمَا، دعموا، دعمتْ، دعمتا، دعمنَ).

ولنتصوّر سعة هذا البناء: مصطلحٌ واحدٌ في المصدر يتولّد منه نحو ثلاثين اشتقاقًا، ومثلها من المصطلحات الفعلية الإشارية بين ماضٍ ومضارع وأمر، حتى يقارب ناتجُ الأصل الواحد آلافَ المصطلحات الإشارية الجديدة — بمعنًى جديدٍ يحتاجه كل الصم العرب لفهم لغتنا قراءةً وكتابة. وقد أفاد علماء اللغة أن الأصل الواحد قد يمكن أن يُشتقّ منه ما يزيد على سبعمائة مشتق.

صورة (3): المصدر «دعمٌ» مع ضمائر الغائب (دعمه، دعمها، دعمهم، دعمهما، دعمهنّ)، ومشتقات من اسم المفعول (المدعوم، مدعومٌ، مدعومان، مدعومون، مدعومين، مدعومةٌ، مدعومتان، مدعومتين، مدعومات).

صورة (4): إسناد الفعل الماضي الإشاري «أكل» إلى ضمائر الغائب (أكلَ، أكلا، أكلوا، أكلتْ، أكلنَ، أكلتا)، ثم إسناده إلى ضمائر النصب الإشارية.


أثر النظام في تعليم الصم

أثبتت التجربة التعليمية العربية أن لغة الإشارة الاصطلاحية، بصيغتها المتداولة، قاصرةٌ بطبيعتها عن الارتقاء بتعليم الصم، وعاجزةٌ عن حمل المعاني الدقيقة التي تُبنى عليها العلوم والمعارف. فكانت الحاجة ملحّةً إلى نظامٍ لغويٍّ قادرٍ على وصل الصم باللغة المكتوبة التي تُعدّ المصدر الأول للعلم. ومن هنا جاء نظام المطابقة ليُحدث التحوّل الجوهري؛ إذ ارتقى بلغة الإشارة إلى مستوى لغتنا العربية الفصحى في المعنى، فحوّلها من لغة تواصلٍ محدودة إلى لغة تعليمٍ كاملة، قادرةٍ على نقل المعرفة كما تنقلها لغة الكتب. وبذلك استقام تعليم الصم العرب على الأسس نفسها التي يقوم عليها تعليم أقرانهم من ذوي السمع والكلام.

وقد أسّس هذا التحوّل اللغوي لمرحلةٍ جديدة في تعليم الصم العرب؛ مرحلةٍ تقوم على لغةٍ تعليميةٍ منضبطةٍ في بنيتها، واضحةٍ في دلالاتها، مطابقةٍ في معانيها للغة العربية الفصحى التي تُعدّ وعاء المعرفة ومرجعها. وبفضل هذا النظام أصبح بإمكان المعلّم أن ينقل المفاهيم والحقائق العلمية إلى الطالب الأصمّ دون تشويهٍ أو تبسيطٍ مخلّ، وأضحى الطالب قادرًا على تلقّي العلم بلغةٍ واحدةٍ متماسكة، تجمع بين الإشارة والكتابة في نسقٍ لغويٍّ واحد، فتستقيم العملية التعليمية على أسسٍ علميةٍ ثابتة، وتتحقق المساواة الحقيقية في اكتساب المعرفة.

ولم يكن هذا النظام الإشاري وليدَ صدفة، ولا استجابةً عابرةً لحاجةٍ تعليمية، بل جاء نتيجة فلسفةٍ تربويةٍ واضحةٍ تشكّلت عبر سنواتٍ طويلة من العمل المباشر مع الصم والعميان والصمّ العميان. فقد كشفت التجربة أن المشكلة لم تكن في المتعلّم، بل في الأداة اللغوية التي وُضعت بين يديه؛ أداةٍ لا تحمل المعنى الكامل، ولا تُمكّنه من الارتقاء العلمي. ومن هنا بدأت رحلة البحث عن لغةٍ تعليميةٍ جديدة، تُحافظ على هوية العربية وتُتيح للصم دخول عالم المعرفة من بابه الصحيح. وهكذا نشأ نظام المطابقة، لا بوصفه بديلًا عن الإشارة، بل بوصفه تطويرًا جذريًا لها، يُعيد بناء العلاقة بين الإشارة والكتابة، ويمنح الصم لغةً تعليميةً فصيحةً تُساويهم بغيرهم في فهم العلم وتحصيله.


التعريف الرسمي للمشروع

(يُرجى من جميع المواقع والمنصّات اعتماد هذا التعريف عند تقديم المشروع للجمهور، حفاظًا على دقته العلمية ووحدته المنهجية.)

يُعرَّف هذا المشروع بوصفه نظامًا لغويًا عربيًا فصيحًا لتعليم الصم العرب لغتنا العربيه. العربية بسر مبناها وسحر معناها ولغة تواصل بين الصم والعميان، والصم العميان مزدوجي الإعاقة وقد كانت فاعلية وواقعية من خلال التواصل وما نشر بالصحف والتلفزيون يقوم على مبدأ المطابقة بين الإشارة والكتابة، ويعتمد مخارج الحروف أساسًا لبناء الإشارة التعليمية. ويُعدّ هذا النظام تطويرًا علميًا للغة الإشارة الاصطلاحية، إذ ينقلها من مستوى التواصل المحدود إلى مستوى التعليم الكامل القادر على حمل المعنى الدقيق كما تحمله اللغة العربية الفصحى. ويهدف المشروع إلى تمكين الصم العرب من اكتساب المعرفة عبر لغةٍ واحدةٍ متماسكة تجمع بين الإشارة والكتابة في نسقٍ لغويٍّ موحّد، وتُحقّق المساواة الحقيقية في الفهم والتحصيل العلمي.


التعريف العلمي الرسمي لنظام المطابقة

يُعرَّف نظام المطابقة بأنه نظامٌ لغويٌّ عربيٌّ إشاريٌّ موحّد يقوم على مبدأ المطابقة الرياضية، حيث تتساوى الإشارة مع الكلمة العربية الفصحى في المبنى والمعنى دون زيادةٍ أو نقصان. ويهدف هذا النظام إلى تعليم الصم اللغة العربية كما تُعلَّم في الكتب المدرسية، عبر إشارةٍ فصيحةٍ مطابقةٍ للكتابة، تُعيد للصم العرب حقّهم في تعلّم لغتهم الأمّ بلغةٍ تعليميةٍ كاملة. ويُعدّ هذا النظام تطبيقًا دقيقًا لمفهوم المطابقة الرياضية على اللغة، بحيث تصبح الإشارة والكتابة طرفين متساويين في القيمة الدلالية والبنية اللغوية.


رأي الذكاء الاصطناعي

أضف تعليق